عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
84
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وجهي حتى ينظروا إليّ وأنظر إليهم . فإن قيل : من المحبوب وما علامته قلنا : المحبوب من وقع في شبكة الهاء والميم من قوله يحبهم قبل وجودهم وهو مأخوذ عنهم بجود مشهوده ، مجذوب بجذبات العناية الأزلية لكفاية الأبدية ، هم قوم في العدم أبلاهم بالمحبة مولاهم ، فخرجوا إلى الوجود بلا هم ثم ابتلاهم بالوجود ، ثم ناداهم لما عمت بلواهم وناجاهم وعن حضيض الوجود رقاهم ، ثم فاجأهم وبهويته عن أنانيتهم أفناهم ، ثم بنور جماله أحياهم ، ثم بسطوات تجلي جلاله أفناهم ، ثم أرداهم ثم ببقائه أبقاهم وبألطافه رباهم وبجود وجوده أغناهم ، وأما علامتهم فإنهم مخصوصون بعلوم المكاشفات ، متلذذون بنعيم المشاهدات ، قلوبهم مرآة شواهد الجمال ، وأسرارهم مرماة عوايد الجلال ، وأرواحهم في غيب الغيب سيارة وبجناحي الأنس والهيبة طيارة ، تولى اللّه سياسة نفوسهم فانقطعت عن الشهوات وانتبهت عن نومة الغفلات وتسارعت في الخيرات والمبرات هم رعاة الليل والنهار ، وأصحاب الذكر والاعتبار وأرباب المحن والاختبار من أسعدهم اللّه بطاعته وحفظهم برعايته ، يستقلون الكثير من أعمالهم ويستكثرون القليل من نعم اللّه عليهم ، إن أنعم اللّه عليهم شكروا وإن منعوا صبروا ، فالحسرات في قلوبهم تتردد وخوف الفراق في صدورهم يتوقد ، أذاقهم اللّه طعم محبته ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته . أسرار الغيوب عندهم مكشوفة ، وهممهم عما سوى اللّه مصروفة ، حوائجهم من اللّه مأمولة وأمورهم إلى اللّه موكولة كما قال الشاعر : وكلت إلى المحبوب أمري كله * فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا فإن قيل : هل إلى المحبة للاكتساب سبيل وللسبيل إليها دليل ؟ قلنا : الآيات والأخبار تدل على السبيل والدليل ظاهر كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . فالسبيل إلى الاكتساب هو المتابعة ، والدليل إلى المحبة وسبيلها محمد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حكاية عن ربه تعالى : ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) الحديث « 1 » . ونحن مأمورن بالتقرب وهو الكسب ، ولا بد لنا من امتثال الأمر في الظاهر الذي يحكم الشرع به واللّه يتولى السرائر التي هي مبذرة بذر المحبة الأزلية ولا مدخل للاكتساب فيه ولكن من سنة كرم اللّه تعالى أن يجعل لتربية بذر المحبة مدخلا
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .